الأحد، 25 مايو 2014


قصة الامام الكاظم والحسناء

بسم الله الرحمن الرحيم
اللَهٌمَ صَل ِعَلى مُحَمْدٍ وَآل ِ مُحَمْدٍ الْطَيّبْينَ الْطَاهِرّيْنَ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
السيدة الحسناء في طريقها إلى السجن.. ( الخليفة ) يقاتل خصمه بكل الأسلحة..

وصلت الفتاة دار السندي بن شاهك.. وعندما ترجّلت عن بغلتها.. وتألقت في شمس الضحى حسبها البعض حورية هبطت من جنّتها إلى الأرض..

ليس هناك من يصمد أمام هذه الفتنة الطاغية.. القوام الممشوق.. والوجه الباسم المضيء.. والعينان المكحولتان.. والفم اللوزي.

وقف الحرس مشدوهين.. ألقَوا أسلحتهم واستسلموا للنظرات القاتلة.. بين بوابة قصر السندي والسجن رواق ملأته الحسناء شذىً وعبيراً وسِحراً.. مسرور يتقدم كل هذا الجمال الطاغي.. وبدا في تلك اللحظات جنّيّاً قد أوقع بعروس البحر وجاء بها إلى السجن..

وجدت الفتاة طريقها إلى سرداب بددت وحشتَه القناديلُ المضيئة.. تمتم مسرور بكلمات جافّة:

ـ هذه جارية بعثها الخليفة لتخدمك.

رفع موسى عينَين تتألّق فيهما الأنوار كسماء تزخر بالنجوم.

قال يخاطب العملاق:

ـ قل لهارون: بل أنتم بهديّتكم تفرحون، لا حاجة لي في هذه ولا في أمثالها.

ظلّت الحسناء واقفة، ربّما لأول مرّة في حياتها تشهد رجلاً استثنائياً..

وقفت تتأمل موسى تحاول اكتشافه، تُرى مَن يكون هذا الرجل الذي حار في أمره هارون ؟!

استدار الجنّي خارجاً، ووجدت الفتاة نفسها تتبعه بصمت.. مَرّ وقت طويل.. ربّما ساعات ثلاث أو أكثر عندما عاد الجنّي ومعه الحسناء الفاتنة.. دلف إلى السرداب وخاطب موسى بفظاظة:

ـ يقول الخليفة: ليس برضاك حبسناك، ولا برضاك أخدمناك.

لم يصبر ليسمع جواباً.. ترك الفتاة في السرداب وصفق خلفه الباب..

هيمن صمت متوتر.. شعرت الفتاة أنها في حضرة إنسان يشعّ طمأنينة وسلاماً.. سَكينة مطلقة كنبع يتدفق بهدوء، ووقار مهيب يجعل للزمن حديثاً تحسّه النفس بوضوح.

وتمرّ أيام وليالي.. موسى غارق في صلاة لا نهاية لها..

فالرحيل وشيك، حاولت الحسناء أن تسبر غوره، أن تستكشف عوالمه، فقالت متودّدة وفي كلماتها مكر أُنثوي:

ـ هل لك حاجة أُعطيكها ؟

رفع الإمام عينيه ورمقها بعطف.. إنها ضحية هارون وكنوزه. قال لها موسى وهو يفتح أمام عقلها المحجوب عوالمَ مترعة بالسلام:

ـ وما حاجتي إليك ؟

ـ لا أدري، ولكني أُدخلت عليك لحوائجك.

هناك أشياء محجوبة عن بصر الإنسان.. مرئيات تحتاج إلى بصيرة نفّاذة.. بصيرة يمكنها أن ترى في الجماد حركته الهائلة، ترى الأشجار وهي تمدّ عروقها في التراب والطين، وترى الجذور وهي تشرب المياه.. وترى البراعم وهي تتفتح.. وترى العالم الذي تسبح فيه الأرواح بسلام.. وفي لحظة رهيبة من اللحظات التي تتحطّم فيها جدران الزمن وتتمزّق فيها الحجب المظلمة.. فتسطع الحقائق..

في مثل تلك اللحظات قال موسى كلمات وهو يشير إلى جدار صخريّ.. تحطم جدار الزمن لتسطع الحقائق لحظات في قلب الوقائع..

وإذا بالفتاة أمام مشهد لم يكن ليخطر على بالها.. تلال خضراء مغمورة بالنور.. خضرة لا نهاية لها.. مجالس مفروشة بالوشي والديباج.. وفتيات حسان يرفلن بالحرير الأخضر، وعلى رؤوسهن أكاليلُ من اللؤلؤ والياقوت، في أيديهنّ أباريق ومناديل وأطباق الفاكهة.

كان المشهد مثيراً. تيّارٌ من الحقائق الساطعة.. تيّار يصعق العقل البشري، يدمّر كل ما تراكم عليه من خطايا الإنسان..

وسمعت ابنة حوّاء نداءً قادماً من عوالم مغمورة بالنور:

ـ ابتعدي! عن العبد الصالح.

سقطت الفتاة لوجهها.. سقطت ساجدة، وقد سطعت الحقائق في روحها.. أضاءت كل عالمها المظلم..

لم يعد لهارون مكان في روحها.. لقد تحرّرت تماماً.. تدفقت الدموع من عينيها النجلاوين.. إنّها تغتسل.. قلبها.. روحها، وكل وجودها، إنها تُولَد من جديد وقد تطهّرت من كل أدران الأرض..

غير أنها لم تعد قادرة على الاحتفاظ بتوازنها.. غرقت في سجود طويل.. عميق.. لكأنها تغتسل في نبع يتدفق بالنور..

كان هناك من يتلصّص.. من كوّة ضيقة.. بقَدْر ما تسَع للسجّان أن يراقب سجناءه..

كان مسرور يترقّب اللحظة التي تنتصر فيها الفتنة الأُنثوية.. يشهد هزيمة الروح أمام ضجيج الغرائز الآدمية.

ما أكثر مصارع الرجال في هذا المعترك.. ما أكثر الذين هزمهم هارون بجواريه!

ولكن يا للدهشة!! ما بال هذه الحمقاء ساجدة.. ما بالها تهتف من أعماق روحها: قُدّوس.. قدّوس.. قدّوس(55)..

هزّ ( مسرور ) رأسه وراح يقلّب عينيه من خلال الكوّة في الجدران الصخرية لعلّه يعثر على شيء يفسّر له ما يرى.

لقد حلّت الكارثة.. هُزمت آخر الأسلحة.. السجين ما يزال هو.. هو.. هو.. كقلعة حصينة تقاوم..

أسرع ( مسرور ) إلى سيّده.. كلّ شيء يوحي بهزيمة ساحقة.

صرخ هارون وهو يتفجّر غيظاً..

ـ عليّ بها.. سَحَرها واللهِ موسى.

انتُزِعت الحسناء بقسوة، جرّها الخادم إلى خارج السرداب كانت تنظر إلى السماء تبحث عن شيء اكتشفته.. لا تفتأ تهتف: قدّوس.. قدّوس.. ربُّ الملائكة والروح..

الجسد الغضّ يرتعد.. ينتفض بشدّة.. إنّها حمّى الحقيقة التي يكتشفها المرء فجأة.. انتفاضة الروح.. اشتعال الفطرة الإنسانية تحت ركام الغرائز.. توهّج الإرادة.. وهزيمة الشيطان.

كانت الفتاة ما تزال تنظر في السماء.. تحدّق في الأغوار اللانهائيّة.. وكان هارون يتميّز غيظاً.. صرخ بقسوة:

ـ ما شأنُكِ ؟!

أجابت الفتاة وعيناها النجلاوان تمتلئانِ دموعاً:

ـ شأني الشأن البديع.. كنت واقفة عنده وهو قائم يصلّي.. فلما انصرف من صلاته قلت له: هل لك حاجة ؟ إني أُدخلت عليك لحوائجك.. فأشار بيده وقال: فما بال هؤلاء ؟! وأحسست أن الأرض تدورُ بي، فرأيت ما لا عين رأت.. وسمعت ما لا أذُنٌ سمعت، ولم يخطر على قلب بشر.. رأيت رياضاً خضراء تمتد في الأفق البعيد.. تغمرها أنوار بهيجة.. ورأيت صبايا كأنهنّ اللؤلؤ المنثور.. يخطرن في التلال الخضر.. وعلى رؤوسهنّ أكاليلُ من لؤلؤ ومن ياقوت.. وفي أيديهنّ أباريق من فضة ومناديل من إستبرق وحرير..

صرّ هارون على أسنانه بغيظ:

ـ يا خبيثة! إنكِ سجدتِ ونمت، ورأيتِ ذلك في النوم.. أضغاث أحلام!

أجابت الحسناء وقد سطعت الحقيقة في أعماقها:

ـ لا واللهِ يا سيدي.. رأيت هذا قبل سجودي.. فسجدتُ من أجل ذلك..

التفت الرشيد إلى خادمه.. غمز بعينه.. أمسك الجنّي بالحسناء وقادها إلى حجرة في القصر.. تحوّلت الحجرة إلى معبد صغير.. إلى محراب للصلاة والتبتّل.

سجود حتّى الاستغراق.. وعبادة حدّ التبتل.. وتأمّلٌ حتّى الذهول.. وتحديق في السماء حدّ السهوم، وتفكّر حتّى السُّكْر.. وسكر حتّى الانتشاء، وسطوعٌ للروح حتّى الفناء..

وتمرّ الأيام.. أيام قليلة في حسابات الساعة ذات الأجراس النحاسية.. ولكنها رحلة اكتشاف سبرت كل معاني الحياة.

لَشدّ ما يغيظ هارون.. أنّ سحره انقلب عليه.. وأن الخنجر الذي أراد أن يطعن به موسى يرتدّ إلى نحره..

واشتعل مشهد يكاد يضيء التاريخ يوم وقف موسى بن عمران يَعِظ قومه، فنهضت امرأة أغراها قارون بكنوزه.. نهضت لتطعن المواعظ، لتقتل موسى..

قالت: أنت راودتَني عن نفسي. وغضب موسى.. غضبت السماء.. وأقرّت البغيُّ أنّها فعلت ذلك بأمر قارون.. اهتزّت الأرض لغضب السماء.. ابتلعت قارونَ وكنوزَه، أصبحت أثراً بعد عين.. تُرى هل يعيد التاريخ نفسه ؟

إختفت الفتاة بعد أيام.. تهامس سكان القصر، تحدّثوا عن قصّتها وهي لا تفتأ تَذكر موسى..

تذكر العبد الصالح الذي أزاح عن عينيها غشاوة الحياة الدنيا.. فتح لها نوافذ تُطلّ على عالم الروح.. عالم مترع باللذائذ.. مفعم بالمحبّة والسلام..

نامت الفتاة ذات يوم ولم تستيقظ.. وتهامس سكان القصر في قصّتها.. هل أكلت رطباً ؟ أم عنباً..؟ هل ذهبت إلى الحمّام؟ لا أحد يدري، ولكن من المؤكّد أنّها ذهبت شهيدةَ الحبّ الالهي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

شكرا لمروركم الكريم
مع تحياتي عواد الموسوي